
أرى أننا اليوم بحاجة إلى أطر حديثة للتنشئة المدنية وتنظيم المشاركة المجتمعية، لا تكون أدوات للتعبئة السياسية ولا للرقابة أو المتابعة المخابراتية، وإنما فضاءات حقيقية لتأهيل المواطن، وترسيخ قيم المسؤولية والانضباط واحترام المصلحة العامة، ونشر الوعي بالحقوق والواجبات، وتشجيع العمل التطوعي وروح المبادرة، بما يساعد على تنظيم المجتمع ومواكبته للتحولات التي يفرضها العصر.
وقد كانت الفكرة، من حيث المبدأ، حاضرة في التجربة الموريتانية منذ مطلع الثمانينات، وكانت تحمل في جانب منها إمكانية بناء مواطنة أكثر تنظيم ووعيا، لكنها لم توظف بالقدر الكافي في الأهداف التربوية والاجتماعية والمدنية التي كان يمكن أن تنهض بها، إذ طغت عليها الاعتبارات السياسية و التعبوية والتأطيرية. ومع ذلك، يحسب لتنظيم "هياكل تهذيب الجماهير" أنها فتحت مبكرا بعض القضايا الاجتماعية الكبرى، وفي مقدمتها قضية الاسترقاق ومخلفاته، وبدأت في التعامل معها على مستوى الدولة والمجتمع.
فالوطن لا يبنى بالمؤسسات والمشاريع والبنى التحتية وحدها، إن وجدت، وإنما يبنى قبل ذلك وبالتوازي معه بمواطن واع ومسؤول، يشعر بانتمائه إلى الدولة، ويدرك حقوقه وواجباته، ويعتبر نفسه شريكا فعالا في البناء لا مجرد مستفيد من ثماره. ولا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح على المدى الطويل إذا لم يستند على شعب متشبع بقيم المواطنة، يحترم القانون والفضاء العام، ويحافظ على الممتلكات المشتركة، ويشارك في التنمية، ويضع المصلحة العامة فوق الاعتبارات الضيقة.
ولعل من أعمق الإشكالات التي ما زالت تعوق ترسخ هذه المواطنة أن علاقة جزء كبيرمن المجتمع بالسلطة المركزية لا تزال تحمل، في بعض مظاهرها، بقايا التصور الذي تشكل في عهد الإدارة الاستعمارية: سلطة بعيدة عن المواطن، ينظر إليها باعتبارها طرفا مقابلا للمجتمع، لا تعبيرا عنه ولا أداة لخدمته. ومن آثار هذا التصور أن يشعر الفرد أحيانا بأن المال العام «مال الدولة» إن لم يكن "مال هوش" وليس ماله، وأن الممتلكات العمومية لا تخصه مباشرة، وأن التحايل على الإدارة أو مخالفة قواعدها لا ضير فيه بل يعتبر نوعا من النجاح و"اتفكريش". وهذه العقليات خطيرة جدا ولا يمكن لوطن ان يقوم عليها.
وقد استمرت هذه المسافة النفسية بين المواطن والدولة بعد الاستقلال بأشكال مختلفة، ولم تنجح المؤسسات في تحويل العلاقة من منطق «الإدارة والرعية» إلى منطق «الدولة والمواطن». وهنا تبرز أهمية التربية المدنية: فالمواطن بحاجة إلى أن يدرك أن الدولة ليست سلطة أجنبية مفروضة عليه، وأن الإدارة والطرق والمدارس والمستشفيات وشبكات الماء والكهرباء والمال العام هي في نهاية الأمر ملك للمجتمع، وأن الإضرار بها أو التحايل عليها هو إضرار بمصلحته ومصلحة أبنائه قبل أن يكون تعديا على سلطة مجردة.
ومن هنا فإن التأطير المدني ليس عملا هامشيا ولا ترفا تنظيميا، بل هو جزء من عملية بناء الدولة نفسها؛ لأنه يسهم في إعادة تأسيس العلاقة بين الفرد والمؤسسات على قاعدة الانتماء والمسؤولية والمشاركة. فـبناء الوطن وبناء المواطن عمليتان متلازمتان، ولا يمكن أن يكتمل أحدهما دون الآخر.
والمطلوب اليوم ليس استنساخ تجربة الماضي ولا إعادة إنتاج هياكلها، وإنما استعادة جوهر الفكرة في صيغة ديمقراطية وعصرية: مؤسسات وأطر مدنية مستقلة عن الاستقطاب الحزبي والأمني، تعمل على تكوين المواطن المسؤول، وتعزيز السلوك المدني، ومحاربة الفوضى والاتكالية والتعصب والجهل بالقانون، وترسيخ ثقافة يكون فيها الفرد شريكا أساسيا في بناء المجتمع والدولة.
وبعبارة مكثفة: نحن بحاجة إلى تأطير مدني للمجتمع، لا إلى تأطير سياسي للجماهير؛ لأن الدولة التي تريد بناء وطن قوي لا بد أن تبني في الوقت نفسه المواطن القادر على حمل هذا الوطن، والشعور بأنه دولته، والمشاركة في صناعته والدفاع عن مصالحه ومكتسباته.
دحان الطالب عثمان
(1)%20(1).jpg)

.gif)



.gif)





.jpg)
.png)
